بين الحروب وتآكل الدولار.. لماذا تسجل أسعار الذهب والفضة أسرع وتيرة صعود في التاريخ؟
تشهد أسواق المعادن النفيسة موجة صعود قياسية، حيث واصلت أسعار الذهب والفضة تسجيل مستويات تاريخية جديدة، مدفوعين بتزايد إقبال المستثمرين العالميين على الأصول الصلبة كملاذ آمن في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية، وتراجع الثقة في الدولار الأمريكي، فيما يُعرف بـ”تجارة تآكل العملة” (Debasement Trade).
الذهب يسجل أرقاما قياسية تاريخية
ووفقا لصحيفة “واشنطن بوست”، قفزت أسعار الذهب خلال تعاملات الأيام الأخيرة، لتمتد موجة صعودها القياسية متجاوزة حاجز 5100 دولار للأونصة، بعدما تخطت مستوى 5000 دولار للمرة الأولى قبل يوم واحد فقط.
وارتفع المعدن الأصفر بنسبة 2.4% في بورصة “كوميكس” بنيويورك خلال التداولات المبكرة، في إشارة واضحة إلى تصاعد الطلب الاستثماري عليه.
ويرى محللون أن هذا الارتفاع يعكس تحوّلا هيكليا في توجهات المستثمرين، بعيدا عن الأصول المقومة بالدولار، نحو أدوات تحافظ على القيمة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي.
الفضة تقود موجة الارتفاعات الحادة
وفي المقابل، شهدت الفضة – المعروفة بتقلباتها العالية – قفزة حادة بلغت 14.6% لتتجاوز 116 دولارا للأونصة، مسجلة أعلى مستوياتها على الإطلاق. وبهذا الأداء، تكون الفضة قد ضاعفت قيمتها أكثر من ثلاث مرات خلال عام واحد فقط.
ويعزو خبراء هذا الصعود إلى مزيج من العوامل، أبرزها تراجع المخزونات في بورصة شيكاغو للمعادن، وزيادة الشحنات المتجهة إلى خارج الولايات المتحدة، فضلًا عن تنامي الطلب الصناعي المرتبط بمشروعات الطاقة الشمسية ومراكز البيانات.
“تجارة تآكل الدولار” تعيد رسم خريطة الاستثمار
ويؤكد بوب جوتليب، المتداول السابق في المعادن لدى “جيه بي مورجان”، أن ما تشهده الأسواق ليس موجة مضاربات عابرة، قائلا:
“هذه ليست فقاعة مؤقتة، بل موجة صعود قائمة على أسس حقيقية، مرتبطة بعملية إزالة الدولرة عالميا، حيث تسعى البنوك المركزية لحماية نفسها من سياسات الولايات المتحدة وتقلباتها غير المتوقعة”.
وقد بدأت البنوك المركزية حول العالم تعزيز احتياطاتها من الذهب منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، قبل أن تتسارع وتيرة الشراء في مطلع 2025 مع تصاعد الحروب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي هزت استقرار الأسواق العالمية.
التوترات الجيوسياسية تضيف علاوة مخاطر
كما ساهمت التطورات السياسية الأخيرة في تعزيز جاذبية الذهب كملاذ آمن، خاصة مع تبني الإدارة الأمريكية نهجا أكثر حدة في السياسة الخارجية، شمل عمليات عسكرية وتهديدات تجارية واسعة النطاق، من بينها فرض رسوم جمركية مرتفعة على شركاء تجاريين رئيسيين.
وفي هذا السياق، قال آدم تيرنكويست، كبير الاستراتيجيين الفنيين في شركة LPL Financial، إن : “البيئة الجيوسياسية المتقلبة باستمرار تُبقي علاوة المخاطر مرتفعة، وهو ما يدعم أسعار الذهب على المدى القصير والمتوسط”.
ضعف الدولار يعزز الطلب على المعادن
وقد زاد من زخم الصعود تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ سبتمبر، ما جعل المعادن النفيسة أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب، مع ارتفاع القوة الشرائية لعملاتهم مقابل الدولار. ويُعد هذا العامل أحد المحركات الأساسية لتدفقات رؤوس الأموال نحو الذهب والفضة.
المستثمرون الأفراد يدخلون على الخط
ولم يقتصر الإقبال على المؤسسات والبنوك المركزية، بل امتد إلى المستثمرين الأفراد، حيث سجلت صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب في أمريكا الشمالية تدفقات قياسية بلغت نحو 51 مليار دولار خلال 2025، وفقا لمجلس الذهب العالمي.
وقال جو كافاتوني، كبير استراتيجيي الأسواق في المجلس: “ما نلاحظه هو ارتفاع متواصل في الطلب الاستثماري من الأفراد، خاصة داخل الولايات المتحدة، وهو اتجاه مستمر مع بداية 2026”.
اقرأ أيضا..
معادن أخرى تستفيد من الموجة الصاعدة
ولم تكن الذهب والفضة وحدهما المستفيدين من هذه الظروف، إذ ارتفعت أسعار النحاس بفعل فرض رسوم جمركية أمريكية بنسبة 50% على المنتجات النهائية، كما صعدت عقود البلاتين والبلاديوم بأكثر من 25% منذ بداية العام، مدفوعة بالطلب الصناعي في قطاع السيارات والتقنيات النظيفة.
.
تم .