اقتصادات الخليج في مواجهة الحرب.. لماذا تقدر السعودية وقطر على امتصاص الصدمة؟
مع تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتجه الأنظار إلى اقتصادات الخليج باعتبارها الأكثر تأثراً بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو حركة التجارة العالمية.
فالتوترات العسكرية في منطقة تشكل شرياناً أساسياً للنفط والغاز تثير مخاوف بشأن قدرة دول المنطقة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في ظل أزمة توصف بأنها الأخطر منذ عقود.
لكن التقييمات الصادرة عن وكالة التصنيف الائتماني العالمية إس آند بي جلوبال تقدم صورة مختلفة نسبياً.
فقد أكدت الوكالة تثبيت التصنيف الائتماني لكل من السعودية وقطر والبحرين مع نظرة مستقبلية مستقرة، في إشارة إلى ثقة المؤسسات المالية العالمية بقدرة هذه الدول على التعامل مع تداعيات الصراع الإقليمي.
ويعكس هذا القرار مجموعة من العوامل الاقتصادية التي تمنح دول الخليج هامشاً واسعاً للمناورة في مواجهة الصدمات، بدءاً من الاحتياطيات المالية الضخمة ووصولاً إلى البنية التحتية المتطورة في قطاع الطاقة.
صناديق سيادية بتريليونات الدولارات
من أبرز عناصر القوة في اقتصادات الخليج حجم الأصول الضخمة التي تديرها الصناديق السيادية. وتشير بيانات المنتدى الدولي للصناديق السيادية إلى وجود أربعة صناديق خليجية ضمن أكبر عشرة صناديق سيادية في العالم، موزعة بين السعودية وأبوظبي والكويت وقطر.
وتبلغ القيمة الإجمالية لأصول هذه الصناديق نحو 3.64 تريليون دولار، وهو رقم يعادل أكثر من مرة ونصف حجم الاقتصاد الكلي لدول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
هذا الحجم الهائل من الاحتياطيات يمنح الحكومات الخليجية قدرة كبيرة على التدخل عند الحاجة لدعم الاقتصاد أو مواجهة أي تراجع مفاجئ في الإيرادات الناتج عن اضطرابات الأسواق العالمية.
كما أن هذه الصناديق توسعت خلال السنوات الماضية في استثمارات عالمية متنوعة، وهو ما ساهم في توفير مصادر دخل إضافية خارج قطاع النفط التقليدي.
النفط ما زال مصدر القوة الأكبر
رغم تسارع برامج التنويع الاقتصادي في الخليج، فإن قطاع الطاقة يظل الركيزة الأساسية للقوة المالية في المنطقة. وقد استثمرت دول الخليج على مدى عقود طويلة في تطوير حقول النفط والغاز وتوسيع قدراتها الإنتاجية والتخزينية.
وتبرز السعودية بشكل خاص في هذا المجال، إذ تمتلك أكبر طاقة إنتاجية احتياطية داخل تحالف أوبك بلس النفطي، وهو ما يمنحها قدرة على زيادة الإنتاج بسرعة لتعويض أي نقص محتمل في الأسواق العالمية.
هذه القدرة تمنح المملكة نفوذاً كبيراً في سوق الطاقة الدولية، كما تعزز ثقة المؤسسات المالية بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي حتى في فترات الأزمات.
خط الأنابيب الذي يتجاوز مضيق هرمز
من العوامل الاستراتيجية التي تدعم صلابة الاقتصاد السعودي وجود بدائل لنقل النفط بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية. فقد طورت شركة أرامكو السعودية منذ ثمانينيات القرن الماضي خط أنابيب يمتد من شرق المملكة إلى ساحلها الغربي على البحر الأحمر، وهو ما يعرف بخط شرق–غرب.
يتيح هذا الخط نقل ملايين البراميل يومياً إلى موانئ البحر الأحمر دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وتشير التقديرات إلى أن الطاقة الاستيعابية للخط يمكن رفعها إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، ما يوفر بديلاً استراتيجياً مهماً في حال تعطل الملاحة في المضيق.
وكانت هذه القدرة اللوجستية أحد الأسباب الرئيسية وراء قرار وكالة إس آند بي جلوبال تثبيت التصنيف الائتماني للسعودية رغم التوترات الإقليمية.
مستويات دين منخفضة مقارنة بالعالم
إلى جانب الاحتياطيات المالية الضخمة، تتمتع اقتصادات الخليج بمستويات دين حكومي منخفضة نسبياً مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط الدين الحكومي لدول مجلس التعاون الخليجي قد يبلغ نحو 32.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، وهو مستوى أقل بكثير من المعدلات العالمية.
ويرجع ذلك إلى سنوات طويلة من الفوائض النفطية التي سمحت للحكومات بتكوين احتياطيات مالية كبيرة، إضافة إلى سياسات مالية هدفت إلى ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية.
قطر.. اقتصاد قوي رغم الاعتماد على المضيق
في حالة قطر تبدو المعادلة مختلفة قليلاً، إذ تعتمد صادرات الغاز الطبيعي المسال بدرجة كبيرة على المرور عبر مضيق هرمز. ومع ذلك فإن التقييمات الائتمانية لا تزال إيجابية بفضل قوة الوضع المالي للحكومة القطرية.
وتقدر وكالة إس آند بي جلوبال صافي أصول الحكومة القطرية بما يعادل نحو 135 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع يمنح الدولة قدرة كبيرة على التعامل مع تقلبات الأسواق.
كما يدعم الاقتصاد القطري صندوق سيادي ضخم واحتياطيات نقدية كبيرة لدى المصرف المركزي، ما يوفر للحكومة مساحة مالية واسعة لدعم الاقتصاد إذا تراجعت الإيرادات مؤقتاً.
أسواق السندات تعكس ثقة المستثمرين
لا تقتصر مؤشرات الاستقرار على تقييمات وكالات التصنيف فقط، بل تظهر أيضاً في أداء أسواق السندات السيادية في المنطقة.
فحتى مع تصاعد التوترات العسكرية، لم تشهد السندات الحكومية الخليجية تقلبات حادة في الأسعار أو ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الاقتراض، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في قوة الأوضاع المالية لهذه الدول.
كما بقيت تكاليف التأمين ضد المخاطر الائتمانية في مستويات مستقرة نسبياً، في مؤشر إضافي على أن الأسواق ترى اقتصادات الخليج قادرة على تجاوز الأزمة.
تأثيرات متفاوتة داخل المنطقة
رغم الصورة العامة الإيجابية، فإن تأثير الحرب قد يختلف من دولة إلى أخرى داخل مجلس التعاون الخليجي.
فبعض الدول التي تعتمد بشكل كبير على الممرات البحرية قد تواجه ضغوطاً أكبر إذا استمرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز. كما قد تتأثر بعض الاقتصادات الأصغر التي تعاني من مستويات دين مرتفعة.
لكن في المقابل، تشير التوقعات إلى أن الدعم الاقتصادي المتبادل بين دول الخليج يمكن أن يساعد على تخفيف الضغوط والحفاظ على الاستقرار المالي في المنطقة.
هل يستطيع الخليج تجاوز الأزمة؟
التوترات العسكرية في الشرق الأوسط تبقى أحد أكبر المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي، خاصة عندما ترتبط بأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
لكن المؤشرات المالية الحالية توحي بأن اقتصادات الخليج تمتلك أدوات قوية لمواجهة الأزمة، بفضل الاحتياطيات المالية الضخمة والبنية التحتية المتطورة للطاقة ومستويات الدين المنخفضة.
وبينما تبقى تطورات الصراع غير واضحة حتى الآن، فإن تقييمات المؤسسات المالية العالمية تعكس ثقة متزايدة بأن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية وقطر، تمتلك القدرة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي حتى في ظل واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في المنطقة.
اقرأ أيضًا:
.
تم .