على غرار العاصمة “ممفيس”.. مناطق إدارية في مصر ذات “طبيعة خاصة”
أثار مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد الذي يناقشه مجلس النواب جدلًا واسعًا بعد نصه على اعتبار العاصمة الإدارية الجديدة “مقاطعة ذات طبيعة خاصة” تحمل اسم “ممفيس” وهو ما فتح باب تأويلات على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كانت هذه الصيغة تمثل خروجًا عن التقسيم الإداري التقليدي أو مقدمة لما وصفه البعض بـ“الانفصال الإداري” غير أن قراءة هادئة للنصوص القانونية والتجارب السابقة تكشف أن الأمر لا يتجاوز إطارًا تنظيميًا استخدمته الدولة المصرية مرارًا في مناطق أخرى.
ماذا تعني “طبيعة خاصة” قانونًا؟
مصطلح “ذات طبيعة خاصة” ليس جديدًا على التشريع المصري فالدستور والقوانين المنظمة للإدارة المحلية والاستثمار يتيحان إنشاء كيانات أو مناطق بقوانين مستقلة تمنحها أطرًا تنظيمية مختلفة عن النظام الإداري المعتاد (محافظة – مركز – مدينة – حي) دون أن تمس وحدة الدولة أو سيادتها.
الفكرة ببساطة أن الدولة تنشئ كيانًا إداريًا أو اقتصاديًا يخضع لقانون خاص لتنظيم اختصاصاته وصلاحياته مع بقائه جزءًا من الإقليم المصري وخاضعًا للسيادة الكاملة للدولة.
المخطط العام للمرحلة الأولى من العاصمة الإدارية الجديدة – مقاطعة ممفيس
كيف تُدار عواصم العالم؟ ولماذا لا يعني النظام الخاص انفصالًا؟
فكرة منح العاصمة وضعًا إداريًا خاصًا ليست استثناءً مصريًا بل نموذج مطبق في عدد من كبرى دول العالم ففي الولايات المتحدة لا تُعد واشنطن ولاية بل مقاطعة اتحادية تخضع لنظام قانوني مختلف عن باقي الولايات بهدف ضمان حياد العاصمة وعدم تبعيتها لكيان محلي بعينه وفي أستراليا أُنشئت كانبيرا داخل إقليم إداري خاص يُعرف باسم إقليم العاصمة الأسترالية بينما تُدار برازيليا في البرازيل ضمن المقاطعة الفيدرالية التي تختلف عن الولايات الأخرى.
القاسم المشترك بين هذه النماذج أن العاصمة بحكم احتضانها مؤسسات الحكم والسيادة وتُدار بقواعد تنظيمية مختلفة لضمان كفاءة الإدارة وتركيز الصلاحيات دون أن يعني ذلك خروجها عن الدولة أو تمتعها باستقلال سياسي.
وفي الحالة المصرية فإن المقترح الخاص بـ“ممفيس” لا يمنح العاصمة كيانًا تشريعيًا مستقلًا أو وضعًا اتحاديًا إنما ينشئ نموذجًا إداريًا خاصًا لإدارة عاصمة الحكم على غرار ما هو معمول به دوليًا والفارق الجوهري أن هذه الصيغة تُنشأ بقانون عادي داخل الدولة لا كنظام فيدرالي مستقل.
وبالتالي فإن الحديث عن “انفصال” أو “كيان خارج الدولة” لا يستند إلى نص قانوني أو سوابق مقارنة بل يتجاهل أن منح العاصمة نظامًا إداريًا خاصًا هو إجراء تنظيمي متكرر في تجارب الدول الحديثة أو حتى تجارب سابقة داخل مصر نفسها.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. نموذج قائم بالفعل
أبرز مثال على ذلك هو الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي أُنشئت بقانون خاص ولها رئيس يتم تعيينه بقرار من رئيس الجمهورية بدرجة وزير ويتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الأراضي وإصدار التراخيص وتنظيم الاستثمار داخل نطاق المنطقة كما يتم تعيين نواب لرئيس الهيئة ويتم معاملتهم بالمعاملة المقررة لبقية نواب الوزراء.
باللون الأصفر صورة تقريبية لحدود المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وهي منطقة ذات طابع خاص بقانون خاص يرأسها الدكتور جمال الدين
ورغم ذلك المنطقة الاقتصادية ليست محافظة جديدة وليست كيانًا منفصلًا عن الدولة لكنها تتمتع بوضع تنظيمي خاص ومختلف لتسريع الإجراءات وجذب الاستثمارات حيث يتسع نطاقها وتمتلك موانئ ومناطق صناعية عابرة للمحافظات على رأسها ميناء العريش بشمال سيناء وشرق بورسعيد والعين السخنة وغيرها بخلاف المناطق الصناعية الموزعة على طول المجرى الملاحي لقناة السويس.
موقع الموانئ والمناطق الاقصادية التابعة للمنطقة الاقصتادية لقناة السويس
المثلث الذهبي وجرجوب.. أطر تنموية مشابهة
الأمر نفسه ينطبق على المنطقة الاقتصادية للمثلث الذهبي تعامل كمنطقة خاصة إداريًا ورئيسها هو السيد محمد العبادي وكذلك منطقة جرجوب غرب مطروح تم إعلانها منطقة اقتصادية خاصة في سبتمبر الماضي ويعمل السيد الرئيس حاليًا على اختيار رئيسها بصلاحيات وزير ليكون مسؤولا عن تطويرها وجذب الاستثمارات إليها.
في كل هذه الحالات أنشأت الدولة كيانات بقوانين خاصة لتنظيم التنمية من دون أن يتغير التقسيم الإداري للدولة أو تمس السيادة المركزية.
المثلث الذهبي منظقة اقتصادية ذات طابع خاص
أين يختلف وضع “ممفيس”؟
الاختلاف هنا أن مشروع القانون المطروح لا يتناول منطقة صناعية أو ميناءً أو مشروعًا اقتصاديًا إنما عاصمة الدولة نفسها فالنص المقترح يعتبر العاصمة الإدارية مقاطعة ذات طبيعة خاصة ضمن نطاق مدينة القاهرة ويعين لها رئيس بقرار من رئيس الجمهورية تكون له سلطات المحافظ المنصوص عليها في قانون الإدارة المحلية إضافة إلى صلاحيات وزارية داخل نطاقها.
هل يعني ذلك انفصالًا إداريًا؟
لا يوجد في النص المطروح ما يشير إلى خروج العاصمة عن السيادة المصرية أو منحها وضعًا اتحاديًا مستقلًا فالمقترح يندرج ضمن إطار الإدارة المحلية ويُناقش داخل مجلس النواب ويخضع للإجراءات التشريعية المعتادة ويمكن تعديله أو رفضه قبل إقراره.
مصطلح مقاطعة هنا هو توصيف إداري وليس كيانًا سياسيًا مستقلًا والدولة المصرية دولة موحدة وفق الدستور ولا يتضمن أي نص دستوري يسمح بإنشاء أقاليم مستقلة سياسيًا.
مخطط المرحلة الأولى من العاصمة الجاري تنفيذ حاليًاصورة من الأقمار الصناعية لحجم الإنشاءات في العاصمة الإدارية
لماذا تلجأ الدولة إلى هذا النموذج؟
العاصمة الإدارية الجديدة ليست حيًا سكنيًا تقليديًا إنما مقر الرئاسة والحكومة والبرلمان والسفارات ومؤسسات الدولة السيادية وإدارة هذا النطاق بقانون خاص يمنح مرونة تنظيمية وسرعة في اتخاذ القرار ويجمع الاختصاصات تحت مظلة واحدة بدل توزيعها بين جهات متعددة وهو منطق إداري سبق استخدامه في المناطق الاقتصادية لكن بوظيفة مختلفة فهناك للتنمية والاستثمار وهنا لإدارة عاصمة الحكم.
عقد من الشائعات.. ووقائع تُكذبها
في النهاية من المؤسف أن يتحول نقاش تنظيمي يتعلق بإدارة عاصمة تمتد على نحو 220 ألف فدان وتضم مؤسسات الحكم والسيادة والبنية التحتية الذكية للدولة إلى سيل من التأويلات العاطفية والاتهامات غير المستندة إلى نص قانوني واحد فالدول لا تُدار بالشعارات ولا تُبنى بالخوف من المصطلحات كل ما يُطرح هو صيغة قانونية لضبط الصلاحيات ومنع التضارب داخل عاصمة حديثة لم تعرف مصر لها مثيلًا من قبل.
وليس هذا الجدل هو الأول من نوعه فمنذ الإعلان عن العاصمة الإدارية الجديدة وميلادها في 2015 لم تتوقف موجات الشائعات التي طالت المشروع في كل مرحلة من مراحله مرة قيل إن المدينة ستُحاط بسور يعزلها عن باقي المصريين ومرة صُوّرت على أنها ملاذ مغلق للأثرياء بعيدًا عن الدمار الذي سيحيط القاهرة واليوم يُعاد إنتاج المشهد في صورة حديث عن انفصال إداري لا يستند إلى نص واحد.
لقطة ليلية لأحد المنتجعات السياحية بالعاصمة الجديدة
اللافت أن كل هذه المزاعم لم تكن مجرد همسات عابرة تردد على استحياء بل رددت على ألسنة شخصيات عامة وأشخاص يشغلون مناصب مرموقة ويتمتعون بمستوى تعليمي متقدم ومع ذلك أثبتت السنوات فشل كل الادعاءات السابقة واحدة تلو الأخرى فلم يُبنَ سور يعزل المدينة ولم تتحول إلى كيان مغلق ولم تنفصل عن الدولة. ومع كل محطة زمنية كانت الوقائع تسبق الشائعة ويكذب الواقع الضجيج.
اقرأ أيضا..
تمنيات مستترة تبحث عن عنوان
والأغرب أن سقوط الشائعات السابقة لم يكن كافيًا لوقف دورة إنتاج شائعة جديدة كلما أعلن عن خطوة جديدة وكأن البعض يتعامل مع المشروع باعتباره ساحة مفتوحة للتخمين.
إن تكرار الاتهامات نفسها بأشكال مختلفة رغم سقوطها المتكرر أمام الوقائع لم يعد مجرد تعبير عن تخوّفات لكنه يثير تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت بعض هذه الطروحات تعكس تمنيات مستترة أكثر مما تعكس قراءة موضوعية ! فكلما سقطت رواية وظهرت الوقائع بعكسها تولدت رواية جديدة بصياغة مختلفة وكأن المطلوب ليس فهم ما يجري بل تثبيت صورة مسبقة مهما خالفت النصوص والواقع.
.
تم .