السعودية في المركز.. سوريا تطرح مشاريع عملاقة تربط الخليج بدول أوروبا
تتجه سوريا نحو طرح حزمة مشاريع استراتيجية كبرى تربطها بدول الخليج وأوروبا، في محاولة لإعادة تموضعها كمحور رئيسي في معادلات الطاقة والتجارة العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي طالما شكل نقطة عبور تاريخية بين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، كشف مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة القاضي، عن مجموعة مشاريع قيد الدراسة، تستهدف تعزيز الدور الاقتصادي والجيوسياسي لسوريا والمنطقة العربية.
ووفق ما نقلته وكالة “شفق نيوز”، فإن هذه الخطوة تعكس تحولات أوسع في رؤية إعادة دمج سوريا ضمن شبكة المصالح الإقليمية والدولية.
شبكة نقل عابرة للحدود تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية
أبرز هذه المشاريع يتمثل في إنشاء خط قطار سريع يربط السعودية بسوريا مرورًا بالأردن، بسرعة تتراوح بين 200 و300 كيلومتر في الساعة، مستفيدًا من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى مدينة الحديثة.
هذا المشروع لا يقتصر على كونه بنية نقل حديثة، بل يمثل تحولاً في طبيعة الربط الاقتصادي بين دول المنطقة، حيث يعيد إحياء فكرة الممرات البرية السريعة كبديل جزئي عن النقل البحري، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.
كما يفتح الربط المقترح المجال لدمج الشبكة مع السكك الحديدية التركية، بما يعيد طرح فكرة إحياء خط الحجاز ولكن بنسخة حديثة تتناسب مع متطلبات السرعة والتجارة المعاصرة، وهو ما يعزز من فرص تحويل سوريا إلى عقدة لوجستية إقليمية.
إعادة إحياء خطوط النفط.. من “التابلاين” إلى كركوك–بانياس
ضمن المشاريع المطروحة، يبرز تعديل مسار خط أنابيب “التابلاين”، الذي يمتد بطول 1664 كيلومترًا، ليتم نقل النفط من شمال شرق السعودية إلى موانئ بانياس أو اللاذقية بدلاً من صيدا، عبر خط حديث قادر على ضخ ما يصل إلى أربعة ملايين برميل يوميًا.
هذا التحول في المسار يعكس إعادة توجيه تدفقات الطاقة نحو البحر المتوسط، ما يمنح سوريا دورًا محوريًا كممر تصدير رئيسي، ويقلل من الاعتماد على المسارات التقليدية.
بالتوازي، يجري العمل على إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، مع رفع طاقته الاستيعابية من 300 ألف برميل يوميًا إلى نحو مليون برميل يوميًا باستخدام أنابيب حديثة، ما يعزز قدرة العراق التصديرية عبر الأراضي السورية، ويوفر لدمشق مورداً اقتصاديًا إضافيًا.
كما تبرز مقترحات لمد خط أنابيب جديد يربط العراق بالموانئ السورية، بما يوسع خيارات بغداد التصديرية في ظل محدودية قدرات ميناء الفاو، ويعزز في الوقت ذاته موقع سوريا ضمن شبكة تجارة النفط العالمية.
الغاز والهيدروجين.. سباق الطاقة يعبر الأراضي السورية
في قطاع الغاز، يعود الحديث مجددًا عن مشروع مد خط الغاز القطري عبر السعودية والأردن إلى سوريا، ومن ثم إلى تركيا وأوروبا، في مشروع طُرح منذ عام 2008، ويكتسب اليوم زخمًا جديدًا في ظل تغيرات المشهد الإقليمي.
ويقوم المشروع على ربط حقل الشمال المشترك بين قطر وإيران بالأسواق الأوروبية، عبر بنية أنابيب تمر بالأراضي السورية، ما يضع دمشق في قلب معادلة إمدادات الغاز إلى أوروبا.
إلى جانب ذلك، تبرز خطط لمد خط أنابيب لنقل الهيدروجين من السعودية إلى أوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا، في إطار رؤية تستهدف تحويل المملكة إلى أكبر منتج للهيدروجين عالمياً بحلول عام 2035، بطاقة تصل إلى أربعة ملايين طن سنويًا.
هذا المسار المقترح يعكس تحولات استراتيجية في سوق الطاقة، حيث لم يعد النفط والغاز وحدهما في الصدارة، بل بات الهيدروجين أحد أعمدة التنافس الدولي، مع إمكانية أن تلعب سوريا دوراً محورياً في هذا التحول.
“ممر الأمن الغذائي”.. بعد جديد للربط الاقتصادي
لا تقتصر المشاريع على الطاقة والنقل، بل تمتد إلى الأمن الغذائي، من خلال طرح فكرة “ممر الأمن الغذائي السريع” بين السعودية وسوريا، والذي يقوم على إنشاء خط سكة حديد سريع لنقل المنتجات الغذائية والبضائع بسرعة تتجاوز 200 كيلومتر في الساعة.
ينطلق هذا الممر من مدينة عرعر شمال السعودية باتجاه المدن السورية، بما يسمح بنقل السلع الطازجة خلال ساعات، ويعالج هشاشة سلاسل الإمداد التي تعتمد بشكل كبير على النقل البحري، خاصة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
ويعزز المشروع من فرص تحول سوريا إلى قاعدة إمداد غذائي لدول الخليج، مستفيدة من تنوعها المناخي وإنتاجها الزراعي، مع خطط لإنشاء مناطق إنتاج مخصصة للتصدير، ومراكز فرز وتوضيب، ومستودعات تبريد، وبنية نقل حديثة.
كما يشمل التصور تطوير ممرات جمركية سريعة تعتمد على أنظمة رقمية، وإنشاء مراكز توزيع داخل السعودية، مع إمكانية امتداد الشبكة إلى بقية دول الخليج.
تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وإعادة رسم موازين التجارة
تشير هذه المشاريع مجتمعة إلى توجه استراتيجي لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية، عبر توفير بدائل برية وأنبوبية أكثر استقرارًا.
كما تسهم في تعزيز أمن الطاقة للدول العربية، وتوفير إمدادات مستقرة للأسواق العالمية، في وقت يشهد فيه العالم تقلبات متزايدة في سلاسل الإمداد.
ويرى القاضي أن الاستثمار في هذه المشاريع سيؤثر بشكل كبير على الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة لعقود قادمة، خاصة إذا تم إدراجها ضمن أولويات التنمية في دول الخليج.
من طريق الحرير إلى الممر الهندي–الأوروبي
البعد الأوسع لهذه المشاريع يتمثل في إمكانية تكاملها مع الممر الاقتصادي “الهندي–الأوروبي”، بحيث يصبح المسار السوري–السعودي جزءاً من شبكة تجارة عالمية تمتد من الهند عبر الخليج إلى أوروبا مروراً بسوريا وموانئها على البحر المتوسط.
هذا السيناريو يعيد إحياء الدور التاريخي لسوريا كمحور رئيسي على طريق الحرير، لكن بصيغة حديثة تعتمد على الطاقة والبنية التحتية المتطورة.
كما أن ربط هذه المشاريع بمصالح دولية كبرى قد ينعكس على استقرار سوريا، عبر إدخالها في شبكة مصالح اقتصادية عابرة للحدود، تجعل أمنها جزءاً من معادلة أوسع.
وتضع هذه المشاريع سوريا أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي، عبر التحول من ساحة صراع إلى عقدة ربط استراتيجية للطاقة والتجارة والغذاء، في مشهد يعكس تحولات عميقة في بنية المنطقة وممراتها الحيوية.
اقرأ أيضًا:
.
تم .