مصر تتقرب إلى كينيا بـ100 مليون دولار.. ما القصة؟
طرحت القاهرة آلية تمويل بقيمة 100 مليون دولار لدعم مشروعات المياه والسدود في كينيا خلال اجتماعات رسمية في نيروبي منتصف فبراير 2026 بحضور وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الموارد المائية هاني سويلم ونظيريهما الكينيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية موساليا مودافادي ضمن مسار شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين أُطلقت رسميًا في يناير 2025.
آلية تمويل لدعم سدود ومشروعات حصاد مياه
العرض المصري لا يتعلق بتمويل سد واحد محدد إنما بإنشاء آلية تمويل مصرية مخصصة لدعم دراسة وتنفيذ مشروعات مائية في كينيا ودول حوض النيل الجنوبي وتشمل المشروعات المقترحة سدودًا متعددة الأغراض وأنظمة حصاد مياه الأمطار واستخراج المياه الجوفية وتطوير شبكات الري الحديثة وبناء القدرات الفنية.
من بين المشروعات التي طُرحت في المناقشات سد “كورو” متعدد الأغراض إلى جانب مقترحات تتعلق بحوض نهر “سيو–مالاكيسي”. ووفق الطرح المصري، فإن تنفيذ التمويل سيكون مشروطًا بالالتزام بالقانون الدولي للمياه وحماية تدفقات دول المصب.
أين يقع سد “كورو”؟
المشروع المقترح يُعرف باسم “سد كورو” ويقع في غرب كينيا قرب بلدة كورو داخل مقاطعة كيسومو ضمن حوض بحيرة فيكتوريا.
المنطقة تقع شمال شرق مدينة كيسومو وعلى مقربة من مجارٍ مائية تصب في منظومة بحيرة فيكتوريا التي تُعد المصدر الرئيسي للنيل الأبيض فالسد لا يقع على مجرى النيل الرئيسي لكنه ضمن المنظومة المائية المرتبطة به عبر البحيرة.
ما طبيعة السد المقترح؟
يُصنف المشروع كسد متعدد الأغراض يستهدف تخزين مياه الأمطار وتنظيم الري في منطقة تعتمد على الزراعة الموسمية كما يُتوقع أن يخدم أغراضًا تتعلق بإمدادات مياه الشرب وربما توليد طاقة محدودة إلى جانب تقليل مخاطر الفيضانات المحلية.
ما علاقته بحوض النيل؟
رغم أن كينيا لا يمر بها مجرى النيل الرئيسي فإن جزءًا من أنهارها يصب في بحيرة فيكتوريا التي تغذي النيل الأبيض عبر أوغندا وبالتالي فإن أي مشروع داخل هذا الحوض يُقرأ في إطار منظومة النيل الأوسع وهو ما يمنحه بعدًا سياسيًا يتجاوز نطاقه المحلي خاصة في ظل حساسية ملفات المياه في الإقليم.
الرسالة السياسية.. العودة إلى “التوافق”
خلال المباحثات شدد الجانب المصري على ضرورة العودة إلى التعاون الشامل وصنع القرار القائم على التوافق داخل مبادرة حوض النيل ورفض الإجراءات الأحادية في إدارة الأنهار المشتركة. الطرح المصري قُدم باعتباره دعمًا للتنمية المشتركة لا أداة صراع.
التوقيت يمنح الخطوة بعدًا إضافيًا إذ يأتي في ظل استمرار التعقيدات المرتبطة بملف سد النهضة الإثيوبي وما يرافقه من جدل قانوني وفني حول إدارة المياه العابرة للحدود.
كينيا في قلب المعادلة الإقليمية
اختيار نيروبي ليس تفصيلًا عابرًا. كينيا تُعد أحد أكبر اقتصادات شرق أفريقيا وتمثل بوابة بحرية مهمة على المحيط الهندي عبر موانئ مثل مومباسا ولامو كما تتمتع بثقل سياسي داخل تجمع شرق أفريقيا ومؤسسات إقليمية عدة.
بالنسبة لمصر فإن تعميق العلاقة مع كينيا يعني توسيع الحضور في شرق أفريقيا وبناء شبكة مصالح متبادلة في منطقة تُعد ساحة تنافس جيوسياسي متزايد.
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس الوزراء الكيني ووزير شؤون الخارجية وشؤون الشتات موساليا مودافادي
تعاون يتجاوز المياه
المباحثات تناولت كذلك توسيع الاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعات الدوائية والطاقة والبناء وتكنولوجيا المعلومات كما جرى بحث مقترح إنشاء خط ملاحي مباشر يربط الموانئ المصرية على البحر الأحمر بالموانئ الكينية على المحيط الهندي لدعم التجارة والاستثمار في إطار ما يسمى بـ“اقتصاد الأزرق”.
وتُعد هذه التحركات امتدادًا لاتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقع في يناير 2025 والذي يستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والتنموي بين البلدين.
توازنات دقيقة في شرق أفريقيا
رغم الزخم الذي تحمله المبادرة المصرية لم تُظهر كينيا موقفًا عدائيًا تجاه أي طرف في حوض النيل بل أكدت دعمها للحوار والتكامل بين جميع دول الحوض فنيروبي تبدو حريصة على الحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية، بما في ذلك علاقتها بإثيوبيا.
غير أن توسيع الحضور المصري في كينيا يندرج ضمن رؤية أوسع للقاهرة تقوم على تثبيت نفوذها في شرق أفريقيا وتعزيز شبكة تحالفات ومصالح تجعل من قضايا المياه إطارًا للتعاون المنظم لا ساحة للقرارات المنفردة.
تعاون مصري إفريقي لبناء السدود المائية – تعبيرية بواسطة خاص مصر
أبعاد اقتصادية واستراتيجية
التحرك المصري يعكس توجهًا مزدوجًا الأول تنمويًا عبر تمويل البنية التحتية المائية واستراتيجيًا عبر بناء شراكات مؤثرة داخل حوض النيل وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا بالسياسة والاقتصاد تبدو الـ100 مليون دولار استثمارًا في النفوذ بقدر ما هي استثمار في المياه.
في المحصلة لا يقتصر الأمر على دعم سدود أو مشروعات ري إنما يتعلق بإعادة رسم خرائط التأثير داخل شرق أفريقيا في لحظة إقليمية تعيد تعريف مفهوم الشراكات المائية بين دول الحوض.
.
تم .