أسعار الذهب عالميًا في مهب الحرب.. لماذا يتذبذب المعدن النفيس رغم تصاعد التوتر في الشرق الأوسط؟
تعيش أسواق الذهب العالمية حالة من التذبذب مع دخول الحرب في الشرق الأوسط أسبوعها الثالث، وسط ترقب المستثمرين لتداعيات الصراع على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والعملات.
وبينما يُنظر تقليدياً إلى الذهب كملاذ آمن في أوقات الأزمات، فإن تحركاته الأخيرة بدت متقلبة نتيجة تداخل عدة عوامل مؤثرة، أبرزها تحركات الدولار وتوقعات أسعار الفائدة إضافة إلى الاضطرابات في أسواق النفط.
وتداول المعدن النفيس بالقرب من مستوى خمسة آلاف دولار للأونصة بعد أن سجل تراجعاً محدوداً قبل أن يقلص جزءاً من خسائره.
ويأتي ذلك بعد أسبوعين متتاليين من الضغوط السعرية التي تعرض لها الذهب نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتصاعد المخاوف التضخمية المرتبطة بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
في المقابل، ساهم تراجع قيمة الدولار في دعم أسعار السلع المقومة بالعملة الأمريكية، وهو ما منح الذهب بعض الدعم رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.
الحرب تعقّد قراءة الأسواق العالمية
تجعل الضبابية التي تحيط بمدة استمرار الحرب من الصعب على المستثمرين تقييم آثارها الاقتصادية بشكل دقيق. فالتوقعات بشأن تطورات الصراع لا تزال متباينة، ما يزيد من حذر الأسواق المالية ويجعل حركة الأصول شديدة الحساسية لأي تصريحات أو تطورات ميدانية.
وفي هذا السياق، أشار أحد مساعدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الصراع قد يستمر بين أربعة وستة أسابيع، وهو تقدير يعكس احتمال استمرار التوتر في المنطقة لفترة أطول مما كان متوقعاً في البداية.
كما تبادلت واشنطن وطهران رسائل متناقضة بشأن فرص التهدئة. فقد ألمح ترامب إلى أن إيران قد تكون منفتحة على التوصل إلى اتفاق، لكن الإدارة الأمريكية تسعى إلى شروط أكثر صرامة، في حين نفت طهران طلبها إجراء محادثات أو وقف إطلاق النار.
وتزامنت هذه التصريحات مع تصعيد عسكري جديد، إذ استهدفت الولايات المتحدة منشأة رئيسية لتصدير النفط في إيران، بينما واصلت طهران ضرباتها ضد بنى تحتية للطاقة في عدة دول خليجية.
مضيق هرمز.. عامل ضغط إضافي على الأسواق
زاد التوتر أيضاً مع شبه توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ويشكل أي اضطراب في هذا المضيق تهديداً مباشراً لإمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يرفع مخاطر التضخم ويزيد من حساسية الأسواق المالية للتطورات الجيوسياسية في المنطقة.
وقد أدى هذا الوضع إلى تقلبات في أسعار النفط التي فقدت جزءاً من مكاسبها المبكرة خلال تعاملات بداية الأسبوع، في وقت تراقب فيه الأسواق مسار الحرب وتأثيرها المحتمل على تدفقات الطاقة العالمية.
توقعات الفائدة تزيد الضغط على الذهب
إلى جانب التطورات الجيوسياسية، تلعب السياسة النقدية دوراً أساسياً في تحديد اتجاه أسعار الذهب. فالمعدن النفيس يتأثر بشكل مباشر بتوقعات أسعار الفائدة، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض عادة ما يقلل جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب.
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات حديثة عن إنفاق المستهلكين في الولايات المتحدة تباطؤاً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي، حيث ارتفع الإنفاق بشكل محدود خلال شهر يناير نتيجة ضعف النمو الاقتصادي حتى قبل اندلاع الحرب.
كما تراجع مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي إلى أدنى مستوى له خلال ثلاثة أشهر، في ظل مخاوف متزايدة من ارتفاع أسعار الوقود وتأثير الصراع في الشرق الأوسط على تكاليف المعيشة.
وبناء على هذه المؤشرات، قلص المتداولون توقعاتهم لخفض أسعار الفائدة في الاجتماع القريب لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو ما شكل ضغطاً إضافياً على أسعار الذهب في المدى القصير.
الذهب بين الملاذ الآمن وتقلبات السوق
رغم التذبذب الحالي، لا يزال الذهب يحتفظ بمكاسب قوية منذ بداية العام، إذ ارتفع بنحو ستة عشر بالمئة مقارنة بمستوياته في مطلع السنة.
ويعزو محللون، بحسب وكالة “بلومبيرج” هذا الارتفاع إلى تنامي المخاوف من ما يعرف بالركود التضخمي، وهو سيناريو اقتصادي يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم في الوقت نفسه.
وفي مثل هذه الظروف، يميل المستثمرون إلى زيادة حيازاتهم من الذهب باعتباره مخزناً للقيمة على المدى الطويل، خصوصاً عندما تتراجع الثقة في العملات أو الأصول المالية الأخرى.
لكن بعض المحللين يرون أن هذه العوامل الإيجابية قد تواجه قيوداً إذا اضطرت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر لكبح التضخم، وهو ما قد يحد من جاذبية المعدن النفيس.
ماذا ينتظر الذهب في المرحلة المقبلة؟
تظل حركة الذهب خلال الأسابيع المقبلة مرتبطة إلى حد كبير بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، إضافة إلى مسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
فإذا استمر الصراع لفترة طويلة وارتفعت المخاوف بشأن استقرار الاقتصاد العالمي، فقد يتجه المستثمرون مجدداً إلى الذهب كملاذ آمن، ما يدعم الأسعار على المدى المتوسط.
أما في حال تراجع التوترات أو استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، فقد يبقى المعدن النفيس تحت ضغط التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن الذهب سيظل أحد أكثر الأصول حساسية للتطورات الجيوسياسية والاقتصادية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا:
.
تم .