اقتصاد الصين ينتعش بسبب الحرب مع إيران.. هل يغير الصراع في الشرق الأوسط موازين الاقتصاد العالمي؟
أظهرت البيانات الاقتصادية الجديدة أن اقتصاد الصين بدأ العام الحالي بانتعاش ملحوظ في الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة، في وقت تتصاعد فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتلقي بظلالها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
هذا التعافي النسبي يمنح بكين دفعة مؤقتة، لكنه يأتي في ظل بيئة دولية معقدة قد تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية في العالم.
البيانات الرسمية تشير إلى أن الاقتصاد الصيني ما زال قادراً على تحقيق نمو معقول رغم التحديات، لكن محللين يحذرون من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يغيّر المشهد الاقتصادي العالمي ويؤثر في مسار النمو خلال الأشهر المقبلة، بحسب صحيفة “فاينشينال تايمز”.
انتعاش الإنتاج الصناعي في الصين
أظهرت الأرقام الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن الإنتاج الصناعي ارتفع بنحو 6.3 بالمئة خلال شهري يناير وفبراير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويعد هذا الأداء إشارة إيجابية للاقتصاد الصيني الذي واجه خلال السنوات الأخيرة تباطؤاً ملحوظاً بسبب تراجع الطلب العالمي وأزمة قطاع العقارات.
كما سجل الاستثمار في الأصول الثابتة نمواً بنحو 1.8 بالمئة بعد أن شهد العام السابق تراجعاً نادراً، وهو ما يعكس محاولة الحكومة الصينية دعم النشاط الاقتصادي عبر مشاريع البنية التحتية والتصنيع المتقدم.
تحسن مبيعات التجزئة لكنه دون الطموحات
من ناحية أخرى ارتفعت مبيعات التجزئة في الصين بنسبة 2.8 بالمئة على أساس سنوي، متجاوزة توقعات العديد من المحللين.
لكن هذه الزيادة ما زالت أقل من المستوى الذي تستهدفه الحكومة لتعزيز الاستهلاك المحلي، وهو أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني في المرحلة الحالية.
فالاستهلاك الداخلي ظل ضعيفاً خلال العام الماضي، ما دفع بكين إلى وضع سياسات جديدة تهدف إلى رفع حصة الاستهلاك في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
الصادرات تقود النمو الاقتصادي
يرى عدد من الاقتصاديين أن التحسن في الاقتصاد الصيني يعود بدرجة كبيرة إلى قوة الصادرات.
فقد ارتفعت صادرات الصين خلال شهري يناير وفبراير بنحو 21.8 بالمئة، مدفوعة بزيادة الشحنات إلى دول جنوب شرق آسيا وأوروبا.
وتواصل بكين تعزيز قدراتها في الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا، وهي استراتيجية ساعدت البلاد العام الماضي على تحقيق فائض تجاري قياسي في السلع اقترب من 1.2 تريليون دولار.
لكن هذا النهج أدى أيضاً إلى توترات مع شركاء تجاريين كبار يطالبون الصين بإعادة توازن علاقاتها التجارية وتقليل الفائض التجاري الضخم.
أزمة العقارات ما زالت تضغط على الاقتصاد
رغم المؤشرات الإيجابية في بعض القطاعات، لا يزال قطاع العقارات في الصين يمثل نقطة ضعف رئيسية.
فالاستثمار العقاري انخفض بنحو 11.1 بالمئة، بينما تراجعت أسعار المنازل الجديدة في سبعين مدينة صينية بنحو 0.3 بالمئة في فبراير مقارنة بالشهر السابق.
وكان قطاع العقارات لفترة طويلة محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي في الصين، لكن الأزمة التي يمر بها منذ عدة سنوات أثرت في ثقة المستثمرين والأسر.
الحرب في إيران تضغط على الاقتصاد العالمي
في الوقت نفسه، تفرض الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تحديات جديدة أمام الاقتصاد العالمي، خاصة بالنسبة للدول الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الشرق الأوسط.
فارتفاع أسعار النفط يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ما قد يؤثر في أداء الاقتصادات الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الصين.
كما أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهدد إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة في العديد من الدول.
تحويل الأسلحة الأمريكية من آسيا إلى الشرق الأوسط
على الصعيد العسكري، بدأت الولايات المتحدة نقل بعض أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة من آسيا إلى الشرق الأوسط لتعزيز قدراتها في مواجهة الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ.
وشملت هذه التحركات نقل صواريخ باتريوت ومنظومات اعتراض صاروخي من كوريا الجنوبية، وهو ما أثار قلق بعض حلفاء واشنطن في آسيا الذين يعتمدون على هذه الأنظمة في مواجهة تهديدات إقليمية.
ويرى خبراء أن هذه الخطوة قد تؤثر في توازن القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تتصاعد المنافسة العسكرية بين الولايات المتحدة والصين.
فرصة جيوسياسية للصين
يرى العديد من المحللين، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” أن انشغال الولايات المتحدة بالحرب في الشرق الأوسط قد يمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها في آسيا.
فبعض الدول الآسيوية بدأت تشعر بأن الأولويات الاستراتيجية لواشنطن قد تتغير بسرعة تبعاً للأزمات العالمية، وهو ما يدفعها إلى البحث عن خيارات أمنية واقتصادية أكثر استقلالية.
كما تحاول الصين استغلال هذه اللحظة لتعزيز صورتها كقوة عالمية مستقرة قادرة على توفير شراكات اقتصادية طويلة الأمد.
سباق تسلح متصاعد في آسيا
الحرب في إيران كشفت أيضاً عن ضغوط كبيرة على مخزونات الأسلحة الأمريكية، إذ تشير تقديرات إلى استخدام عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية خلال فترة قصيرة.
هذا الوضع أثار مخاوف لدى بعض الدول الآسيوية التي تنتظر تسليم صفقات تسليح من الولايات المتحدة.
ونتيجة لذلك بدأت عدة دول في المنطقة التفكير في تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية لتعزيز استقلالها العسكري وتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين.
مستقبل الاقتصاد العالمي بين الحرب والتنافس الدولي
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مرحلة معقدة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية.
فانتعاش الاقتصاد الصيني قد يمنحه قدرة أكبر على مواجهة التحديات، لكنه يظل مرتبطاً بدرجة كبيرة باستقرار التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، قد تشهد السنوات المقبلة تغيرات كبيرة في خريطة الاقتصاد العالمي والنفوذ السياسي بين الدول.
اقرأ أيضًا:
.
تم .