الفيدرالي الأمريكي في اختبار الحرب مع إيران.. هل يختار كبح التضخم أم إنقاذ الاقتصاد؟
في لحظة تتقاطع فيها السياسة النقدية مع الجغرافيا السياسية، يجد الفيدرالي الأمريكي نفسه أمام واحدة من أعقد معادلاته منذ سنوات، حيث لم يعد تحقيق هدفه المزدوج، وهو استقرار الأسعار ودعم التوظيف، مسألة توازن تقني، بل تحول إلى صراع حقيقي بين أولويات متناقضة في ظل الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
فمع تصاعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وارتفاع أسعار النفط، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي من جانبين: تباطؤ النمو من جهة، واستمرار التضخم من جهة أخرى، وهو ما يضع صناع القرار النقدي أمام خيارات صعبة قد تحدد مسار الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.
تثبيت أسعار الفائدة: قرار حذر في بيئة غير مستقرة
بحسب وكالة “بلومبيرج”، من المتوقع أن يُبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثانية على التوالي، ضمن نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، في خطوة تعكس الحذر الشديد في التعامل مع بيئة اقتصادية غير مستقرة.
لكن هذا القرار لا يعني غياب الجدل داخل أروقة البنك المركزي، حيث تشير التقديرات إلى وجود نقاشات حادة بين صناع السياسة حول ما إذا كان ينبغي الاستجابة لمخاطر تباطؤ النمو عبر خفض الفائدة، أم مواصلة الضغط على التضخم الذي ظل أعلى من المستهدف لمدة خمس سنوات متتالية.
التضخم وأسعار النفط: تأثير مباشر للحرب
تُظهر البيانات الاقتصادية أن التضخم في الولايات المتحدة ظل مرتفعًا حتى قبل اندلاع الحرب، لكن ارتفاع أسعار النفط نتيجة الصراع مع إيران زاد من تعقيد المشهد.
هذا الارتفاع يهدد بإعادة إشعال موجة تضخم جديدة، ما يجعل أي خطوة نحو خفض الفائدة محفوفة بالمخاطر، إذ قد تؤدي إلى تغذية الضغوط التضخمية بدلًا من احتوائها.
سوق العمل: إشارات متضاربة تزيد الغموض
على صعيد سوق العمل، تبدو الصورة غير واضحة، حيث شهد الاقتصاد الأمريكي تقريرًا قويًا في يناير، أعقبه تراجع مفاجئ في فبراير، ما يعكس حالة من عدم اليقين بشأن قوة الاقتصاد الحقيقي.
هذه التذبذبات تجعل من الصعب على الفيدرالي اتخاذ قرار حاسم، خاصة في ظل ارتباط سوق العمل بشكل مباشر بمستويات التضخم والإنفاق الاستهلاكي.
توقعات خفض الفائدة: هل يغير الفيدرالي مساره؟
تشير توقعات الاقتصاديين إلى إمكانية قيام الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، مقارنة بتوقع سابق بخفض واحد فقط، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في النظرة المستقبلية للسياسة النقدية.
لكن هذا السيناريو يظل مرهونًا بتطورات الحرب مع إيران، وتأثيرها على أسعار الطاقة والنمو الاقتصادي، ما يجعل قرارات الفيدرالي مرتبطة بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية.
بيان الفيدرالي: لغة حذرة ورسائل مشفرة
من المتوقع أن يشير بيان الفيدرالي إلى الصراع مع إيران باعتباره عاملًا يزيد من حالة عدم اليقين، مع تحديث تقييمه لسوق العمل والتضخم.
كما يراقب المحللون ما إذا كان البنك المركزي سيعتمد لغة تشير إلى مخاطر مزدوجة على أسعار الفائدة، بما يعكس استعدادًا للتحرك في أي اتجاه—رفعًا أو خفضًا—وفقًا لتطورات البيانات الاقتصادية.
الانقسام داخل الفيدرالي: بين التشديد والتيسير
تكشف التصريحات الأخيرة عن وجود انقسام داخل الفيدرالي، حيث يدعو بعض الأعضاء إلى خفض الفائدة سريعًا لمواجهة ضعف سوق العمل، بينما يرى آخرون ضرورة الإبقاء على السياسة الحالية أو حتى تشديدها إذا استمر التضخم.
هذا الانقسام يعكس تعقيد المرحلة الحالية، حيث لم يعد هناك مسار واضح للسياسة النقدية، بل مجموعة من السيناريوهات المتنافسة.
مؤتمر جيروم باول ورسائل حاسمة للأسواق
من المتوقع أن يؤكد رئيس الفيدرالي، جيروم باول، خلال مؤتمره الصحفي أن البنك المركزي بحاجة إلى مزيد من الوقت لتقييم تأثير الحرب مع إيران على الاقتصاد.
كما سيشدد على أهمية الحفاظ على المرونة في اتخاذ القرار، في ظل ارتفاع مستوى عدم اليقين، وهو ما قد يُفسر على أنه رسالة تهدئة للأسواق دون الالتزام بمسار محدد.
البعد السياسي.. صراع داخل واشنطن
لا يقتصر الضغط على الفيدرالي على العوامل الاقتصادية فقط، بل يمتد إلى البعد السياسي، حيث يواجه باول تحديات تتعلق بمستقبله في منصبه، في ظل ترشيحات واستقطابات داخل الكونغرس.
هذا العامل السياسي قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى قرارات الفيدرالي، خاصة في ظل تداخل السياسة النقدية مع التوجهات الحكومية.
مستقبل الاقتصاد الأمريكي في ظل الحرب
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الفيدرالي الأمريكي يقف عند مفترق طرق، حيث يتعين عليه الموازنة بين مخاطر التضخم وتباطؤ النمو، في بيئة دولية غير مستقرة.
ومع استمرار الحرب مع إيران، سيظل الاقتصاد الأمريكي عرضة لصدمات خارجية قد تعيد تشكيل أولويات السياسة النقدية، وتجعل قرارات الفيدرالي أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا:
.
تم .