العراق يعيد رسم خريطة النفط.. اتفاق تصدير عبر سوريا وخيارات طارئة لمواجهة تداعيات حرب إيران
في خضم تصاعد الحرب على إيران وما رافقها من اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة، يتحرك العراق بسرعة لإعادة تشكيل منظومة تصدير النفط الخام، في محاولة لتفادي اختناق اقتصادي حاد. أحدث هذه التحركات تمثل في توقيع شركة تسويق النفط العراقية “سومو” اتفاقاً لتصدير الخام عبر الأراضي السورية، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في إدارة الأزمة النفطية.
اتفاق جديد يعيد فتح المسارات البرية نحو المتوسط
أعلن المدير العام لشركة “سومو”، علي نزار، توقيع عقد لتصدير خمسين ألف برميل يوميًا من خام البصرة المتوسط عبر سوريا وصولاً إلى البحر المتوسط، مع خطط لرفع الكميات تدريجيًا.
هذه الخطوة، التي لم يشهدها العراق منذ عقود، تعني عمليًا عودة العراق إلى مسارات تصدير برية غابت لعقود، وفتح نافذة مباشرة نحو الأسواق الأوروبية التي تشهد طلبًا متزايدًا على النفط.
انهيار الإيرادات النفطية.. أرقام تعكس حجم الصدمة
تكشف البيانات الرسمية في العراق عن تراجع حاد في عائدات النفط العراقية خلال مارس، حيث انخفضت بنسبة 72% لتصل إلى نحو 1.9 مليار دولار فقط، مقارنة بأكثر من 6.8 مليار دولار في فبراير.
هذا التراجع جاء نتيجة مباشرة لتعطل الصادرات عبر الموانئ الجنوبية بسبب الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز.
وهبط حجم الصادرات إلى ما يربو عن 18 مليون برميل خلال شهر واحد، بعدما كان العراق يصدر نحو 3.5 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب، وهو ما يضع اقتصاد العراق أمام اختبار قاسٍ، خاصة في ظل اعتماده شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.
البحث عن بدائل.. الشاحنات وخطوط الأنابيب
في مواجهة هذا التراجع، تبنت بغداد سياسة تنويع مسارات التصدير. إلى جانب الاتفاق مع سوريا، لجأت إلى نقل النفط بالشاحنات عبر الأردن وسوريا، رغم التكلفة المرتفعة والتعقيدات اللوجستية.
كما يجري العمل على تفعيل خط الأنابيب العراقي التركي باتجاه ميناء جيهان، مع خطط لضخ نفط كركوك وزيادة الكميات إلى نحو 250 ألف برميل يوميًا. وإذا ما اكتملت هذه المسارات، قد يصل إجمالي الصادرات عبر البدائل إلى ما بين 400 و430 ألف برميل يوميًا، بحسب وكالة “بلومبيرج” الأمريكية.
إحياء خط كركوك–بانياس
التحرك العراقي يعيد إلى الواجهة خط كركوك–بانياس التاريخي، الذي كان ينقل النفط إلى البحر المتوسط منذ خمسينيات القرن الماضي قبل أن يتوقف بسبب الحروب والعقوبات. وفي الوقت الراهن، وتزامنًا مع تعطل مضيق هرمز، تبدو العودة إلى هذا المسار خيارًا عمليًا، حتى لو كان بشكل جزئي أو عبر وسائل بديلة.
السوق الأوروبية.. طلب متزايد وفرصة استثمار
تشير التصريحات الرسمية إلى أن السوق الأوروبية تُظهر شهية عالية لنفط كركوك، ما يمنح العراق فرصة لتعويض جزء من خسائره. ارتفاع الأسعار العالمية يضيف بعداً آخر، إذ تسعى بغداد إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل برميل يتم تصديره، سواء عبر الأنابيب أو الشاحنات.
تصدير الوقود برًا لأول مرة منذ عقود
ضمن الإجراءات الطارئة، بدأ العراق تصدير زيت الوقود برًا عبر سوريا بكمية تصل إلى 650 ألف طن شهريًا خلال الفترة من أبريل إلى يونيو، وذلك بهدف تخفيف الضغط على المصافي التي تعاني من فائض في الإنتاج، خاصة مع ارتفاع نسبة النفط الأسود في بعض المنشآت إلى أكثر من 40%.
لكن خبراء الطاقة يرون أن هذا الحل مؤقت، نظراً لتكاليفه العالية وتعقيداته التشغيلية مقارنة بالنقل البحري أو عبر الأنابيب.
أزمة داخلية تتفاقم
لم تؤثر الحرب فقط على الصادرات، بل طالت الإنتاج أيضًا؛ إذ تراجع إنتاج شركة نفط البصرة من 3.3 مليون برميل يوميًا إلى نحو 900 ألف برميل، مع توجيه الجزء الأكبر لتشغيل المصافي المحلية.
كما توقفت معظم المشاريع النفطية بسبب صعوبات الاستيراد والاضطرابات اللوجستية، في حين تعتمد بعض الحقول على إدارة محلية بالتنسيق مع شركات أجنبية عن بعد.
ضغوط اقتصادية غير مسبوقة
يعتمد العراق على النفط لتأمين نحو 90% من ميزانيته، كما يستورد النسبة نفسها تقريباً من احتياجاته الأساسية. ومع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، تتزايد الضغوط على الاقتصاد، وسط تقديرات تشير إلى خسائر تتجاوز 5.4 مليارات دولار حتى الآن.
بعض التقديرات تحذر من أن الموارد الحالية قد لا تكفي سوى لتغطية الرواتب الحكومية لفترة قصيرة، ما يضع الحكومة أمام تحديات مالية حادة في حال استمرار الأزمة.
اقرأ أيضًا:
.
تم .