إيران تستثنى سفن العراق من قيود الملاحة في مضيق هرمز.. رسالة سياسية أم مناورة تكتيكية؟
أعلنت قوات الحرس الثوري الإيراني إعفاء العراق من القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، وهو القرار الذي أثار تساؤلات واسعة حول دوافع طهران الحقيقية، خاصة في ظل استمرار خنق حركة الشحن العالمية عبر الممر الحيوي.
وبينما بدا القرار في ظاهره خطوة سياسية تحمل رسائل دبلوماسية، تكشف عدة تحليلات أن خلف هذا الاستثناء شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والمالية تتجاوز بكثير مجرد الاعتبارات السياسية.
القرار الإيراني لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع للصراع، ولا عن الدور المتصاعد للعراق داخل منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصًا في قطاع الطاقة الذي بات يمثل شريانًا حيويًا للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
مضيق هرمز.. سلاح الطاقة في قلب الصراع
يمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
ومع إغلاق إيران الفعلي للمضيق عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها في 28 فبراير، تعرضت الأسواق العالمية لهزة عنيفة، انعكست في ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 109 دولارات للبرميل، بحسب بيانات السوق.
ورغم تسجيل تحسن نسبي في حركة السفن خلال الأسابيع الأخيرة، فإن حجم العبور لا يزال أقل بنسبة تتجاوز 90 بالمئة مقارنة بالمعدلات الطبيعية، وفق بيانات تتبع الملاحة البحرية.
هذا التراجع الحاد وضع الاقتصاد العالمي أمام ضغوط غير مسبوقة، وأجبر العديد من الدول على اتخاذ إجراءات طارئة لترشيد استهلاك الطاقة.
في هذا السياق، جاء استثناء العراق ليكسر جزئيًا حالة الجمود، ويفتح الباب أمام تدفقات قد تصل إلى 3 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يعكس أهمية القرار وخطورته في آن واحد.
رسالة سياسية أم مناورة تكتيكية؟
الخطاب الإيراني الرسمي حاول تقديم القرار في إطار سياسي، حيث أكد بيان عسكري نقلته وكالة “إرنا” احترام طهران لسيادة العراق، واصفًا إياه بأنه “دولة تحملت آثار الاحتلال الأمريكي”. هذه اللغة تعكس محاولة واضحة لكسب ود بغداد وتعزيز التحالف السياسي معها.
لكن التزامن بين القرار وتصاعد الضغوط الأمريكية، بما في ذلك تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ إجراءات عسكرية خلال 48 ساعة، يشير إلى أن طهران تستخدم ورقة الملاحة كأداة تفاوضية، تمنح من خلالها استثناءات انتقائية لخدمة أهدافها الاستراتيجية.
بمعنى آخر، الاستثناء لا يبدو تعبيرًا عن حسن نية بقدر ما هو جزء من لعبة توازنات معقدة بين التصعيد والتهدئة.
العراق.. الحلقة الأهم في شبكة الالتفاف على العقوبات
تكشف دراسة نشره “معهد مكافحة الإرهاب” أن العراق لم يعد مجرد جار لإيران، بل تحول إلى محور أساسي في منظومة تمويلها غير المباشر، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية المتجددة.
الدراسة تشير إلى أن طهران تعتمد بشكل متزايد على العراق كـ”مغسلة نفطية”، يتم من خلالها إعادة تصنيف النفط الإيراني وبيعه على أنه نفط عراقي، ما يسمح بتجاوز القيود الدولية.
هذه العمليات لا تتم بشكل عشوائي، بل عبر شبكات منظمة تضم شركات شحن، ومسؤولين داخل مؤسسات الدولة العراقية، وفصائل مسلحة مدعومة من إيران.
في هذا الإطار، يصبح استثناء العراق من قيود مضيق هرمز خطوة منطقية، لأنها تضمن استمرار هذا الشريان الحيوي دون عوائق.
اقتصاد الظل.. مليارات الدولارات خارج الرقابة
التحليل يكشف أن قطاع النفط العراقي يشهد نشاطًا واسعًا لعمليات تهريب معقدة تدر مليارات الدولارات سنويًا. وتشمل هذه العمليات سرقة النفط من الحقول، وإعادة بيعه داخليًا أو تهريبه عبر الحدود، إضافة إلى عمليات خلط النفط الإيراني بالعراقي قبل تصديره.
وتُقدّر بعض التقارير أن حجم النفط المهرب قد يصل إلى مئات آلاف البراميل يوميًا، مع عائدات شهرية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات. هذه الأموال تُستخدم في تمويل جماعات مسلحة وشبكات نفوذ مرتبطة بإيران، ما يجعل الاقتصاد النفطي العراقي جزءًا من منظومة تمويل إقليمية أوسع.
ضمن هذا السياق، يصبح فتح المضيق أمام العراق ضرورة اقتصادية لإيران، وليس مجرد قرار سياسي.
من الإعفاء إلى الشراكة غير المعلنة
الاستثناء الإيراني لا يمنح العراق فقط منفذًا لتصدير نفطه، بل يكرّس أيضًا شراكة غير معلنة بين الطرفين في إدارة تدفقات الطاقة.
فبحسب الدراسة، يتم استخدام الوثائق العراقية الرسمية لإضفاء شرعية على شحنات نفط مختلطة، في واحدة من أكثر عمليات التحايل تعقيدًا على العقوبات الدولية.
هذه الشراكة تمتد إلى مستويات أعمق، تشمل توزيع العوائد، وتنسيق عمليات النقل، وحتى التحكم في مسارات الشحن، ما يعكس درجة عالية من التكامل بين الطرفين في هذا المجال.
لماذا العراق تحديدًا؟
الاختيار الإيراني للعراق دون غيره من الدول لم يكن عشوائيًا، بل يستند إلى مجموعة من العوامل الحاسمة. العراق يمتلك ثاني أكبر إنتاج نفطي داخل منظمة أوبك بعد السعودية، ما يمنحه ثقلًا كبيرًا في سوق الطاقة. كما أن بنيته السياسية، التي تتداخل فيها الدولة مع نفوذ الفصائل المسلحة، توفر بيئة مناسبة لعمليات معقدة يصعب تتبعها.
إلى جانب ذلك، يشكل اعتماد العراق على عائدات النفط عامل ضغط إضافي، حيث تضرر إنتاجه بشدة بعد تراجع الصادرات إلى 1.2 مليون برميل يوميًا مقارنة بـ4.3 مليون برميل قبل الأزمة، ما يجعله أكثر استعدادًا للقبول بترتيبات غير تقليدية لضمان استمرار التدفقات المالية.
سوق الطاقة العالمي.. بين الاضطراب وإعادة التشكيل
قرار استثناء العراق يحمل تداعيات مباشرة على سوق الطاقة العالمي، إذ يساهم في تخفيف جزء من الضغوط، لكنه في الوقت ذاته يعزز حالة عدم اليقين. فاستمرار التحكم الإيراني في تدفقات النفط عبر المضيق يعني أن السوق ستظل رهينة للقرارات السياسية.
كما أن استمرار عمليات خلط النفط وتهريبه يخلق تحديات أمام آليات التسعير والشفافية، ويضع الشركات والدول أمام مخاطر قانونية واقتصادية متزايدة، خاصة في ظل احتمالات فرض عقوبات جديدة.
اقرأ أيضًا:
.
تم .